قضايا وآراء

الريادة الاجتماعيَّة

عبد الرحمن أبو ذكري
1300x600
1300x600

كل نشاط إنساني يحتاج روَّادا ومُجددين يخلقونه خلقا كل حين، سواء من عدم أو ببثّهم فيه الروح حين يهبونه كل طاقاتهم؛ لتأكل تفاصيله حيواتهم فعليّا، وتتغذَّى صحوته على وجودهم. هؤلاء الرواد هم أهم عناصر نهضة أي مجال إنساني بإطلاق.

وهذا النوع من البشر لا يُمكن صُنعه في المعامل والمختبرات، كما يسعى الغرب الأمريكي حاليّا؛ رغبة منه بإطالة عمر حضارته الذاوية بمحاولة تخليق "رواد أعمال" (مفردها بالإنكليزية: انتربنور Entrepreneur) من خلال عمليَّة تدريب برَّاني وتأهيل معرفي إجرائي تكشف بعض مجاهيل الأنشطة المطلوب اقتحامها وبث الحياة فيها مجددا، بعد أن بدأت تجنح للأفول، وبعد أن انقضى أكثر جيل الرواد الأمريكيين الحقيقيين، بين عشرينيات وستينيات القرن العشرين؛ الروَّاد الذين شكَّلوا تاريخ العالم الحديث ووضعوا الحضارة الأمريكية على "القمة".

 

التدريب قد يكون ناجعا فحسب في استيعاب المراحل والإجراءات والقواعد المنظمة لمجال ما من مجالات النشاط الإنساني، وإن كان لا يُجدي البتة في نقل أي نشاط إنساني إلى خانة النشاط الوجودي الذي يستوعِبُ الطاقة فيتوهَّج بأرواح المشتغلين به

وسبب ابتذال هذه المحاولات لاصطناع الرواد؛ أن الصفات المطلوبة لأمثال هؤلاء الأفذاذ إنما هي صفات نفسيَّة وروحيَّة فطريَّة لا يمكن تحصيلها ولا اكتسابها بالتدريب الإجرائي البرَّاني، وإن أمكن صقلها بالتدريب حال وجودها. إذ التدريب قد يكون ناجعا فحسب في استيعاب المراحل والإجراءات والقواعد المنظمة لمجال ما من مجالات النشاط الإنساني، وإن كان لا يُجدي البتة في نقل أي نشاط إنساني إلى خانة النشاط الوجودي الذي يستوعِبُ الطاقة فيتوهَّج بأرواح المشتغلين به. ذلك أن هذه الصفات ذاتيَّة بامتياز؛ روح مجبولة تتم تغذيتها بالشغف الشخصي الشديد، والقدرة الحقيقية والأصيلة على المبادرة والابتكار والقيادة، والقدرة النفسيَّة على تحمُّل مخاطر ذلك كله. وهي كذلك صفاتٌ لصيقة بشخص "الرائد"، ولا يمكن أن تنفصل عنه؛ فهي تشكِّل (بصورةٍ ما) جوهر حياته وسببها، بل إنها هي التي تضفي المعنى على حياته.

 

إنه شغفٌ حقيقي لم تولِّده معرفة إجرائية تقنية باردة، لكنها عاطفة حقيقيَّة وجذبة وجوديَّة... عشق ولدوا به؛ عشقٌ يقتات أرواحهم ويأكلُ أعمارهم بلا هوادة

والمتأمل لمن وَرِثَ رائدا من هؤلاء، سواء بعد جيل أو عدَّة أجيال، يجد أنه يتعيَّش على ما خلفه سلفه حرفيّا، ولا يستطيع تجاوزه إلا إن أضاف بُعدا جديدا لنفس النشاط الإنساني (بُعدا رأسيّا يُعمِّق الممارسة)، أو امتلك قدرة سلفه/ أسلافه على الانتقال إلى نشاط آخر؛ نشاط يكون فيه أكثر إبداعا وتحرُّرا وعبقريَّة. ومن أمثلة هؤلاء الرواد في تاريخ مصر المعاصر: عزيزة أمير في صناعة السينما، وهي مؤلفة وممثلة ومنتجة ومخرجة، ويوسف وهبي في مجال التمثيل السينمائي والمسرحي، والأخوين مصطفى، وعلي أمين في مجال الصحافة الإخباريَّة، وسعيد السحار في النشر الحديث، وكامل كيلاني، مؤلفا ومنتجا وناشرا لكتب الأطفال، ومحب الدين الخطيب، صحفيّا وناشرا ومحققا وكاتبا وفقيها، ومحمد أمين الخانجي (الكبير)، ناشرا ومحققا لا يُبارى، وطلعت حرب في تمصير المنظومة البنكيَّة ونقلها عمليّا إلى المحليَّة تمويلا وإنتاجا، وأحمد النجار وتوفيق الشاوي في أسلمة المنظومة البنكيَّة الربويَّة وتدشين ما سمي بـ"البنوك الإسلامية"، وعبد اللطيف الشريف وأحمد الريان وأشرف السعد في تغيير مفاهيم الاستثمار وأسلمة الاقتصاد الرأسمالي.

وبقطع النظر عن رأينا في إنجازاتهم، فإن الخيط الناظم الذي يجمعهم (هم ومن على شاكلتهم) واحد لا يتغيَّر، ولا يُمكن أن يقف المتصفِّح لسيرهم على سواه: الشغف الشخصي... تحول النشاط الإنساني ومجال العمل اليومي إلى حياة كاملة يُسجنون داخلها تماما؛ فكأنما خُلقوا لها ولم يخلقوا لسواها. إنه شغفٌ حقيقي لم تولِّده معرفة إجرائية تقنية باردة، لكنها عاطفة حقيقيَّة وجذبة وجوديَّة... عشق ولدوا به؛ عشقٌ يقتات أرواحهم ويأكلُ أعمارهم بلا هوادة. وستجد (مصداقا لذلك) أن أكثرهم الرواد المفطورين قد برز في مجال لم يدرُسه دراسة "أكاديمية" تقليديَّة، أو شرع في دراسته نظريّا بعد أن برز فيه عمليّا. أما أن تنقلِب ا?ية وتصير الدراسة النظاميَّة بابا رئيسيّا موهوما لتخريج رواد "مطلقين" يُنتظر لهم أن يبرعوا في كل شيء، فهذا وهم تحاول الحضارة الحديثة إقناع نفسها به، وتصديره لنا... إذ العشق لا يمكن تعليمه ولا تعلُّمه إلا بممارسته... أن تكون عاشقا فعلا. إن اطلاعك على ملاحم العشق المشهورة لن يجعل منك عاشقا أسطوريّا... وحده العشق قد يفعل ذلك!

التعليقات (0)