كتاب عربي 21

ونفد صبر حركة النهضة!

صلاح الدين الجورشي
1300x600
1300x600
هذا ما أكدته في بيان لها وفي تصريحات أهم قادتها... بمعنى آخر، لم تعد حركة النهضة مستعدة لتحمل الهجمات والاتهامات المتتالية ضدها من قبل جميع خصومها بدون استثناء، بدءا من السياسيين ووصولا إلى الإعلاميين. فما الجديد في الأمر؟ وما هي القطرة التي أفاضت الكأس؟

قائمة عريضة وطويلة من التهم الموجهة لهذه الحركة التي ظنت بأنها أصبحت استثناء في المنطقة، وكلما استمرت في الحكم؛ اتسعت في المقابل قائمة التهم. تكفي الإشارة فقط إلى عينات من هذه التهم: الارتباط بالخارج (الإخوان المسلمين تحديدا)، دعم الإرهاب، تسفير الشباب التونسي إلى بؤر التوتر، الإثراء غير المشروع لعدد من كوادرها، ازدواجية الخطاب، التسرب إلى مختلف أجهزة الدولة، توظيف أبنائها على حساب الشباب العاطل عن العمل، وقوفها وراء اغتيال شكري بلعيد ومحمد البراهمي، الحصول على تمويلات مشبوهة، واحتفاظها بتنظيم سري.. إلخ.

في هذه المرة رفعت الحركة صوتها عاليا لتقول "كفى". وقررت أن تقلب الطاولة، وترفع شكاوى إلى القضاء ضد كل من يتهمها بدون دليل. بل إن رئيس الحركة الشيخ راشد الغنوشي اعتبر أن تصريح أحد قادة الجبهة الشعبية، بأن "النهضة" ليست حزبا سياسيا، بمثابة الدعوة إلى الحرب الأهلية، وهو التصريح الذي أثار ردود فعل واسعة، واعتبره الكثيرون تهديدا باللجوء إلى العنف ضد الخصوم.

كما هددت الحركة في بيان لها بـ"تتبع الأشخاص والمؤسسات الإعلامية المنخرطة في الحملات التشويهية الممنهجة ضدّها، قضائيا". وهو ما استفز نقابة الصحفيين التي ردت بقوة على ذلك في بيان طالبت فيه "النهضة" بتقديم توضيحات في هذا الشأن، وعبرت عن "رفضها أي ضغوط على الصحفيين أو الهيئات المهنية، من أي طرف كان". وأضافت أنّ "تهديد الصحفيين والتحريض ضدهم وتخويفهم بالملاحقات القضائيّة، لا يصبّ سوى في دائرة الترهيب وتكميم الأفواه والحدّ من هوامش حرية التعبير والصحافة".

كما اتهت النقابة أطرافا عديدة، وعلى رأسها حركة النهضة، بكونها "تمارس تصعيدا في لغة الخطاب السياسي؛ تحاول فيه جر الصحفيين إلى ساحة معركة ليسوا معنيين بها، وتمضي إلى التلويح بالملاحقة القضائية للمخالفين لها في اتجاه خلق مناخ من الاحتقان والاصطفافات".

ولم يقتصر الأمر على نقابة الصحفيين، وإنما انخرطت منظمات دولية في الرد على الحركة، مثل منظمة "مراسلون بلا حدود"، التي اعتبرت بدورها ان تهديدات حركة النهضة بالتتبع القضائي للإعلاميين "يمثل تهديدا خطيرا لحرية الصحافة في تونس".

هكذا وجدت الحركة نفسها "متهمة" بعد أن كانت مظلومة. وليست هذه القصة سوى حلقة من حلقات توتر العلاقة بين الحركة وبين الإعلام. إذ كلما حاولت أن تكسب عموم الصحفيين إلى صفها، جاءت أحداث ما لتجد نفسها محاصرة في زاوية ضيقة، وينقلب الجميع ضدها.

لم تفشل الحركة فقط في كسب ثقة الإعلاميين، وإنما فشلت أيضا في بناء مؤسسات إعلامية تكون ناجحة على الصعيدين الفني والبشري. ولم تتمكن هذه المحاولات التي أقدمت عليها من كسب المصداقية الضرورية التي تجعل منها مصدرا أساسيا للخبر والتحليل. وهو ما جعل الحركة لقمة سائغة ودسمة لبقية وسائل الإعلام.

هناك أسباب عميقة وموروثة جعلت عموم الحركات الإسلامية غير قادرة على أن تكسب معركة الإعلام. وهذه الأسباب متعددة، وفي حاجة إلى أبحاث معمقة للغوص في خلفياتها؛ لأن منها ما له علاقة بالجانب الفكري، إلى جانب الفهم القاصر للإعلام ودوره وخصائصه وتقنياته. وإذ قامت بعض المحاولات الناجحة نسبيا، لكنها سرعان ما توقفت أو انحرفت عن مسارها نتيجة الحرص المبالغ في تطويع الإعلام لخدمة أغراض أيديولوجية أو حزبية محدودة وضعيفة.

لا يوجد ما يمنع النهضة من أن تدافع عن نفسها، وأن تقاضي كل من يتهمها بدون دليل. فمن حق أي فرد أو جماعة أو حزب أن يدافع عن نفسه بالوسائل القانونية، خاصة إذا كانت التهم الموجهة له لا تستند على أدلة موثقة. لهذا يعتبر موقف الحركة من الناحية المبدئية مشروعا لا غبار عليه، غير أنها مطالبة في المقابل بأن تحذر من ملامسة خطوط حمراء عديدة. ومن هذه الخطوط ألا تمارس أي شكل من أشكال الضغط أو التهديد المبطن أو المباشر للصحفيين ومؤسساتهم، حتى لا تنتقل من الدفاع عن نفسها إلى الظهور في مظهر المعادي لحرية الإعلام. وقد كان بإمكان "النهضة" أن تعد ملفا مقنعا، وأن تتقدم إلى القضاء ضد من تراه قد كذب عليها واتهمها باطلا، عوض أن تصدر بيانا شديد اللهجة وقابلا لمختلف التأويلات، بما في ذلك تعميم الأحكام، فتكون بذلك قد خسرت المعركة قبل أن تبدأها.
التعليقات (3)
انشتاين
الإثنين، 19-02-2018 11:30 م
بالنسبة للسيد خميس الصالح : المشكلة أننا نبحث عن أنفسنا داخل نص القرآن ، والمطلوب هو أن نبحث عن القرآن في أنفسنا ، لقد توارثنا صفة الإسلام ولم نزد على ذلك واعتقدنا أو فهمنا أن الخطاب بخصوص الأعراب " قالت الأعراب آمنا... " يخص فئة دون غيرها في زمن دون غيره ، مع أن أكثر المعنيين بهذا الخطاب هم الذين يتوجهون بآيات القرآن خارج دائرة النفس المسلمة والواقع الإسلامي ، تبرير العجز وليس سوى التبرير ، والأخطر حين نبرر عجزنا كوننا نرضي الله ، إن دور المسلم الذي حقق النقلة المطلوبة عل خط الإيمان : " ولما يدخل الإيمان إلى قلوبكم ... " هو الشهادة ، أن يكون شاهد عدل لا شاهد زور ، لذلك فإن مقاربة هموم الناس وأوضاعهم وواقعهم داخل حلبة الصراع ، وخصوصا ضمن القواعد الصلبة للرعية ، هو المطلوب . أما الهروب من الواقع والاستقالة من المجتمع وتبرير ذلك بالتفرغ لإرضاء الله هو بيت الداء . الصحوة المطلوبة هي صحوة المجتمع من دون شعارات فضفاضة وخاوية . وشكرا .
خميس الصالح
الإثنين، 19-02-2018 12:10 م
لو انفقت ما فى الارض جميعا ليرضى عنك كل الناس لن تنجح ورحم الله والدى قال لى مرة من اراد ان يغضب منك لن تستطيع منعة فلو مررت علية ووجهك باسم لاعتقد انك تسخر منة ولو مررت علية ووجهك عابس لاتهمك بالتكببر لذا علينا الاجتهاد لارضاء رب العباد فيرزقك الله رضا خير العباد وهذة رسالتى لكل من يتحمل عبء خدمة الناس
انشتاين
الأحد، 18-02-2018 08:56 م
الإعلام في تونس ليس له من مصدر مالي يدخل به عالم الإغراء والترويج للإباحية باسم الحرية سوى تلك الجهات الأجنبية التي تخاف من صحوة المجتمع التونسي على خط البناء الحضاري ، إذ يستطيع التونسي في سبيل ذلك أن يتقاسم رغيفه مع الأقرب فالأقرب ممن هم في حاجة إلى ذلك ولا يهنأ له بال من دون ذلك ، من هذه الزاوية ومثلها يمكن تجنيد التونسيين ضد الإشاعة والمكر والخداع والتضييق من دون الحاجة إلى العنف على دوائر الفساد وتجفيف روافدها ، التونسيون أهل لذلك وأكثر ، أحسن مقاربة إعلامية تتم رفقة المواطن البسيط على مستوى فضاءات محيطه الحيوي ، المطلوب أن نبحث عن القرآن في انفسنا وواقعنا ، لا أن نبحث عن أنفسنا في النص القرآني ، المؤمنون برسالة التوحيد تواصلوا مع أمم ، لم يطأ جيش المسلمين أرضهم ،ولم يرفع السيف في وجه أحدهم ، ولم يصلهم كتاب واحد من كتب التفاسير ، أما اليوم فقد طبعت دول إسلامية مجلدات التفاسير بالملايين ، إلا أنها عجزت عن استقبال أطفال أولئك المؤمنين برسالة التوحيد ، هل عثرنا على أطفال الروهينغا داخل كتبنا التي ألفناها وطبعناها بالملايين ؟ للأسف فسرنا القرآن ولم نقرأه رغم أن الله خاطبنا في كتابه العزيز قائلا : " اقرأ ... " . إن الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق بها ، لذلك فمن حق حركة النهضة أن تنهض بمشروع المجتمع انطلاقا من تمليك المشروع للمجتمع ، المشروع مشروع مجتمع إلا من أبى ، أما الصبر فلا ينبغي أن ينفد